الفلسفة تطرق باب بيت شعر نواكشوط في ندوة: كيف رأى الفلاسفة الشعر ونظروا له؟


نظم "بيت الشعر - نواكشوط"، مساء اليوم (الخميس) ندوة فكرية تحت عنوان "جدلية العلاقة بين الشعر والفكر: كيف رأى الفلاسفة الشعر ونظروا له"، وهي الندوة التي حاضر فيها أستاذا الفلسفة: د. يعقوب القسم اعبيد الله ود. الحسن ولد أعمر أبلول، بينما أدارها أ. د. عبد الله السيد مدير بيت شعر نواكشوط، والذي أكد في مداخلاته أن "الشعر والفلسفة يلتقيان في عدة أماكن منها الفكر واللغة"، موضحا أهمية البعد التاريخي بين الشعر والفلسفة في مسيرة الإنسانية نحو التعلم والتطور.

جمهور بيت الشعر استمع (حضورا وعبر النقل المباشر على وسائط التواصل الجماعي)، إلى أولى محاضرات الندوة مع د. يعقوب القاسم اعبيد الله، الذي قدم مداخلته تحت عنوان: "جدلية العلاقة بين الشعر والفكر"، واستهل بتساؤل: "لماذا يتعين علينا معشر الباحثين في الفلسفة أن نعقد حوارات مع الشعراء في عصر المعلوماتية والبيولوجيا الوراثية؟"، مضيفا "وفي الحقيقة، فإن عصرنا، أي زمن ما بعد ما بعد الحداثة يتميز بخاصيتين اثنتين:

ـ أولاهما أن هذا العصر، عصر موت الفلسفة وموت الإنسان كما أكدت ذلك فلسفات نقد النزعة الإنسانية خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وفلسفة هيدجر ونيتشه، وظهور عصر التقنية والتفلسف بالمطرقة، ومن هنا قد يكون الخوض في جدلية العلاقة بين الشعر والفلسفة اقتضاء يمليه عصر التقنية، وثانيهما، وهي في الحقيقة مرتبطة بالأولى، هو أن هذا العصر بما كرس من نسيان للكينونة وتذكرها، وانتصار للإبداع التقني والرقمي اللامحدود، والذي اكتسح كل مجالات الحياة أصبح يمثل تهديدا وجوديا للإنسان في عالمه الذي يعيش فيه والذي بنى فيه آمالا عريضة على التقدم العلمي والتكنولوجي، فأضحى أمام شكل جديد من القيم لم تترك مكانا لقيم الجمال في التأمل الفلسفي وكتابة الشعر".

وركز المحاضر على معالجة إشكالية العلاقة بين الشعر والفكر، من خلال التساؤل: "كيف نظر كل من أفلاطون وهايدجر ونيتشه إلى الشعر، وكيف كانت علاقتهم بالشعراء؟"، وتساؤل "ما مدى مشروعية إجراء حوار بين الفلسفة والشعر؟ وما الذي يمكن للشعراء أن يقدموه لنا معشر الباحثين في الفلسفة؟ وهل أفسح عصر التقنية المجال أمام الشاعر؟".

وقال المحاضر: "على افتراض أننا في بيت الشعر حيث المثوى العميق لأنطولوجيا الشعر وأننا نمثل الطرف الآخر، فهل سيكون هذا النقاش (Dialogue external) حوارا خارجيا، مثل الذي أجراه أفلاطون بين الفيلسوف والشاعر؟".

وأجاب "إننا سنحس بنفس الإحراج، بلغة هيدجر، الذي أحس به الفلاسفة الأوائل، ذلك أننا إذا قبلنا هذا الحوار فإن الفلسفة يكون عليها أن تحاور الشعر؟".

بدوره قدم أستاذ الفلسفة بجامعة نواكشوط د. الحسن ولد أعمر أبلول مداخلته حول رؤية الفلاسفة للشعر من خلال "سؤال هيدجر"، منطلقا من أنَّ "إشكالية العلاقة بين الفلسفة والشعر قديمة ومتجددة. فقد بدأت الفلسفة نصا شعريا كما يقال. فكان الشعور بالدهشة ومن ثم التأمل هو أول الفلسفة. لكن المعلمين الأوائل من الفلاسفة من أمثال أفلاطون اتخذوا موقفا معاديا للشعر"، حيث احستب "أفلاطون، تلميذ سقراط، الشعر مصدراً مضللاً للمعرفة، وفضل استبعاده من مدينته الفاضلة.. إلا أن كبراء الفلاسفة ومؤرخي الفلسفة لم يتوقفوا عن طرق تلك الإشكالية التي ظلت مثيرة للجدل، سواء في أبعادها الإنسانية أو الفنية".

وقال "رغم أن الفيلسوف والشاعر يستخدمان معا اللغة للتعبير عن فهم كل منهما للعالم أو تشكيله، فإن السؤال المتداول في الحقلين، إن صحت العبارة، يتعلق بالمضامين لا بالصور أو الأشكال: هل من المفيد أن تصاغ الأفكار الفلسفية في القوالب الشعرية أو أن يتضمن الشعر أفكارا فلسفية؟؟".

وأضاف: "الواقع أن تضمين الفلسفة في الشعر أو الشعر في الفلسفة لا تنقص فيه الأمثلة فما أكثر مظاهرها عبر تاريخ الشعر وعبر تاريخ الفلسفة. فالعلاقة بين الشعر والفلسفة ظلت على الدوام متأرجحة، تبعا للفكر السائد في الأزمنة المختلفة".

وركز المحاضر في مداخلته على مساءلة الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر وخاصة مقولته "إن كل تفكير تأملي يكون شعراً، وإن كل شعر يكون بدوره نوعاً من التفكير"، ملمحا إلى "أن علاقة فسلفة هيدجر بالشعر أو بما يسميه هو الفكر جاءت في المرحلة الثانية في الفلسفة الهيدجرية نفسها. بل إن هذا التحول الذي عرف مع هيدجر كان سمة مميزة للفلسفة ما بعد الحداثة، والتي طبعتها تيارات نقدية معروفة تقول بموت الفلسفة أو موت الإنسان أو تجاوز الميتافزيقا"، ورأى أن "هذا الأفق المقولي الذي دشنه نيتشه وأسسه هيدجر جاء تتويجا للموجة الفلسفية التي واجهت العقل الغربي الحديث المكتمل مع التقنية الحديثة؛ باعتبارها ميتافزيقا جديدة تأله العقل وتحوله إلى أداة قهر واستعباد بدل أن كان أداة تحرر وانعتاق".

واعتبر المحاضر أن "تأملات هيدجر حول اللغة بصفتها سكنا للوجود، هي مسكن الإنسان الذي يحيا فيه وعليه أن يطيعها وينصت إليها".

وقال "لم يكن انشغال هيدجر بالشعر انشغال محترف للشعر، بل كان يتنزل ضمن سؤال مركزي لديه حول ماهية الفلسفة - الفكر وهى تسعى للخروج من سطوة العقلانية التقنية والإعلان الصريح عن موت الفلسفة. سيكون سؤال الفكر عند هيدجر سؤالا انطولوجيا. والحوار بين الفكر والشعر وسيلة عند هيدجر لمجاوزة التأويل التقني الذي ارتبط بالميتافزيقا الأفلاطونية. حيث يرى فيلسوف هيدلبرج أن الانفلات من قبضة الوضع الانطولوجي التقني يتطلب من الفكر استذكار منبعه الشعري، أو بعبارة الشاعر هولدرلين التي كررها هيدجر في أكثر من مكان: "إن الوجود يكون شعريا في جوهره من خلال اللغة". اللغة بصفتها مسكنا للوجود وليس كمجرد أداة ربط".

وقال إن "رسالة الإنسان في هذا الزمن الذي يصفه هيدجر بالزمن التافه، زمن نسيان الوجود هي الاستعداد لسلوك طرق أو دروب جديدة : تلك التي تؤدي بنا إلى الإنصات للشاعر والاستماع للمفكر. أي أنها " تقودنا إلى إمكانية الإقامة الحقيقية في الوجود".. هنا نتخلى عن التفكير الحاسب الذي يقحمنا في اللامعنى، ويفقدنا ماهيتنا".

وخلص القول "إن مسألة الشعر عند هيدجر وعلاقته بالفلسفة تمثل في تحويل السؤال نفسه إلى أداة نقدية جذرية لفضح الميتافزيقا الغربية وبداهات الحداثة".

هذا، وشهدت الندوة مداخلات لعدد من الشعراء، نوهوا فيها بموضوع الندوة، وأثنوا على دور الشعر في تحفيز الفكر البشري عبر التاريخ.

1 vue0 commentaire